|
#1
|
||||
|
||||
|
" الآخر هو الجحيم " .. أذكر أني أول مرة قرأت فيها هذه العبارة ابتسمت بسخرية و أنا أقول : سارتر مجنون! الآن ، و بعد مرور بضع سنوات و غير قليل من التجارب ، أتمنى لو أستطيع أن أعود بالزمن للوراء لأقف عند تلك العبارة - لأول مرة أخرى - لكن هذه المرة بما يكفي من التفكر و الاحترام. . . . " أنا أملك مجال حرية كبير جدا ، لا تحُدُّه سوى شروط و ضوابط الدين و القانون .. و ما دمت داخل السياج فلا خوف عليَّ و لا أنا ممن سيحزنون " .. آمنتُ بهذه الجملة و رددتها سراً و علانية ً آلاف المرات ، إلا أن الحياة تطوعت بكل رحابة صدر لتُـــثبت لي بُطلان اعتقادي هذا ، و لـتُعيدني للمربع الأول مجدداً في مسيرتي الذاتية لتحديد مفهوم الحرية . و ذات فجر و بعد ليلة أرق نموذجية ، توصلت إلى أن الحرية هي ببساطة كسمكة البفر السامة ، تحتاج لمتخصص في تحضيرها و طبخها ، و إلا فإنك تغامر بالإصابة بالتسمم و الشلل و لربما حتى الموت إن أكلت لحمها المحضر على يد شخص عادي .. نفس الشيء ينطبق تماما على الحرية ، فحتى و إن كُنت حذرا و حريصا بما يكفي ، و استطعت أن تصطاد حريتك وفق شروط الدين و القانون ، إلا أن حريتك هذه تظل مُهددة لك ما لم تكن ذكيا بما يكفي و تعرف كيف تتجنب أو تواجه سم المجتمع الكامن في تقاليد سخيفة و عادات لا جذور منطقية لها و خزعبالات كثيرة قد تنفجر في وجهك في أية لحظة و تُفجر معها حقوقك الدينية و مكتسباتك القانونية و الحقوقية .. و تجعل نفسك تُحدث نفسها بأن الآخر هو الجحيم حقا . . . . الدين يبيح لها أن تتزوج من تشاء مادام مُسلما ، و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقول لها بالنص في بنده الأول من المادة 16 : " للرجل و المرأة متى ما بلغا سن الزواج حق التزوج و تأسيس أسرة دون قيد بسبب الجنس أو الدين ، و لهما حقوق متساوية عند الزواج و أثناء قيامه و بعد انحلاله " .. إذن كلاهما الدين و القانون يُباركان لها زواجها من ذاك الشاب الأجنبي ، إلا أن العروس المسكينة لم تكد تستقر في مكانها المخصص من قاعة الاحتفال و رفع عينيها نحو الحضور ، حتى فاجأتها " نظرة المجتمع " لها ، تلك النظرة الشريرة الخبيثة التي تستنكر عليها حقا من حقوقها .. مرت بضع سنوات ، رزقت صاحبتنا بطفلين و حصلت على الطلاق .. لا يُهم لما طُـلقت ، ألأن زواجها كان فاشلا أو لأنها أرادت أن ترضي المجتمع و تُكفر عن ذنب زواجها من أجنبي أو فقط لأن كلمة " طلاق " كانت مكتوبة في مكان ما على جبينها .. فما يُهم حقا هو أن طلاقها كان عن ادراك و اختيار ، و أنه يصب في مصلحتها و مصلحة طفليها و أنه لا يتعارض مع الدين أو القانون في شيء .. إلا أن هذا لم يكن للأسف كافيا ليحميها من " نظرة المجتمع " ! عادت إلى حيثُ عاشت و هي صبية ، لكن هذه المرة بظروف و معطيات جديدة ، فهي الآن أم لطفين و مسؤولية إعالتهما تقع عليها هي وحدها ، وليس أمامها سوى الخروج لسوق العمل لتحتل وظيفة متواضعة كشواهدها التعليمية و معارفها من ذوي النفوذ ... عملت و كدُّت و عاشت بكرامة ، بينما اكتفى المجتمع برمقها بنفس تلك النظرة الأولى .. " نظرة المجتمع " .. و تناسى كليا دوره في احتضانها او مساعدتها او فقط تركها و شأنها . هي ليست شخصية حقيقية ، لكن ما حدث لها خلال هذه السطور قد حدث فعلا للكثيرين و الكثيرات .. أدر شريط ذكرياتك ، حلل و فكر في لقطات معينة منه ، فقد تجد اشارات لمواقف نظر فيها الاخرون إليك " نظرة المجتمع " ، في الوقت الذي لم ترتكب فيه أنت أي ذنب سوى ممارسة حريتك التي يكفلها لك الدين و القانون. و الآن تساءل معي ، لما هذا الخوف من " نظرة المجتمع " ، و مما تستمد هذه النظرة شرعيتها و سلطانها ؟ و كيف جعلنا من " نظرة المجتمع " هذه معيارا تُــفصل وفقه حريات الاخرين ؟ أليست الحرية شيء ثمين جدا و مجتمعاتنا أمية و جاهلة جدا ،،، لما عليك إذن أن تقبل باقتطاع أجزاء من حريتك فقط لترضي هكذا مجتمع ؟ و اخيرا إلى أي حد تستطيع أن تقاوم الخضوع لهذه النظرة و تعمل على بتر أرجلها الكثيرة كالأخطبوط قبل أن تصرخ : " أجل يا سارتر ، " نظرة المجتمع " هي الجحيم !! " |
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
|
|
|||||||||
|
|
الساعة الآن 10:35 PM. |
|
![]() |
![]() |
![]() |